طاهر سليمان حموده
129
جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )
في كثير من التصحيف والتحريف لكونه لم يزاحم الفضلاء في دروسهم بل استبد بأخذه من بطون الدفاتر والكتب « 1 » ، كما أنه سريع الكتابة معروف لدى السخاوي بالهوس ومزيد الترفع حتى على أمه ، كذلك ترفعه على شيوخه ومن أسدى إليه المعروف « 2 » ، كما هوجم أقسى الهجوم في دعواه بلوغ درجة الاجتهاد المطلق . وإذا كان السخاوي قد وجه إليه هذه التهم القاسية وأشباهها فإن أنصار السخاوي لم يفتئوا أيضا يهاجمونه ويكيدون له ، فقد كاد له ابن الكركي عند السلطان إبان حادثة الطيلسان التي أشرنا آنفا إليها « 3 » . وإن يكن السيوطي قد عانى في حياته من كيد خصومه الكثيرين له وهجومهم عليه ، وانتقادهم له فإنه - في حقيقة الأمر - كان أقوى منهم عريكة ، وأشد بأسا ، ولقد كانت قسوة الهجوم عليه كما يتضح في بعض مواضع ترجمة السخاوي له محاولة للرد على انتقاداته القاسية لخصومه وهجومه عليهم وانتقاصه لهم . ولئن كان قلم السيوطي سيالا كثير الانتاج فلقد وجهه إلى التعبير عن كل شيء يريده ومن هنا فلقد خصص جملة من رسائله لمهاجمة خصومه ، كما أن رسائله الأخرى التي لم يخصصها لهذه المعارك لم تخل من تنقصهم ومهاجمتهم في أحيان كثيرة ، وكما ترجم السخاوي للسيوطي فإن الأخير لم ينس أن يترجم له ، بيد أن هذه الترجمة كانت موجزة ، ويبدو أن السيوطي لم يفصل الهجوم في ترجمته اعتمادا على كتاباته الكثيرة التي فوّق سهامها إلى أعدائه . وقد ذكر السيوطي عن السخاوي أنه لا يحسن من غير الفن الحديثي شيئا أصلا ، وأنه قد أكب على التاريخ - وهو يقصد بالتاريخ تراجم الرجال - « فأفنى فيه عمره ، وأغرق فيه عمله ، وسلق فيه أعراض الناس ، وملأه بمساوئ الخلق وكل ما رموا به ان صدقا وإن كذبا ، وزعم أنه قام في ذلك بواجب ، وهو الجرح والتعديل ، وهذا
--> ( 1 ) نفس المصدر ج 4 ص 68 . ( 2 ) نفس المصدر ج 4 ص 69 ، 70 . ( 3 ) الشعراني : ذيل الطبقات الكبرى ورقة 18 - 20 ، ص 36 - 40 .